ابن عجيبة

219

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم وصفهم بقوله : يَعْرِفُونَ كُلًّا من أهل الجنة والنار ، بِسِيماهُمْ : بعلامتهم التي أعلمهم اللّه بها ؛ كبياض الوجوه في أهل الجنة ، وسوادها في أهل النار ، أو غير ذلك من العلامات . وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ ، إذا نظروا إليهم ، فقالوا لهم : أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، أي : نادوهم بالسلام عليهم ، لَمْ يَدْخُلُوها أي : الجنة ، وَهُمْ يَطْمَعُونَ في دخولها . وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ أي : التفتوا إليهم على وجه القلة ، تعوذوا من حالهم ، قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ في النار . الإشارة : إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العلى الكبير ؛ نادوا أهل البطالة والتقصير ، فقالوا لهم : قد وجدنا ما وعدنا ربنا ؛ من كشف الحجاب والدخول مع الأحباب ، حقّا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا كما وجدنا نحن ؟ قالوا على وجه الدعوى والغلط : نعم ، فأذن مؤذن بينهم ، بلسان الحال : أن لعنة اللّه على الظالمين ؛ الذين بقوا مع حظوظ أنفسهم ، ولم يخرقوا شيئا من عوائدهم ، مع تراميهم على مراتب الرجال ، وادعائهم بلوغ غاية الكمال ، الذين يصدون عن طريق الخصوص ويبغونها عوجا ، وهم بالخصلة الآخرة - وهي إشراق نور الحقيقة على أهل التربية - هم كافرون ، وبينهما حجاب كبير ، وهو حجاب الغفلة ، فلا يعرفون أهل اليقظة ، وهم أهل مقام الإحسان ، بل بينهما مفاوز ومهامه « 1 » ، كما قال الشاعر : تركنا البحور الزّخرات وراءنا * فمن أين يدرى النّاس أين توجّهنا وعلى الأعراف ؛ وهو البرزخ الذي بين الحقيقة والشريعة ، رجال من أهل الاستشراف ، يعرفون كلا من العوام والخواص بسيماهم ، ونادوا أصحاب الجنة أي : الواصلين إلى جنة المعارف : أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ، لأنهم في حالة السير ، وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ، أي : نار الحجاب والتعب ، وهم العوام ، قالوا : ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين . ثم ذكر شماتة أهل الأعراف بأهل النار ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 48 إلى 49 ] وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ( 48 ) أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 49 )

--> ( 1 ) المهامة : جمع مهمه : وهي المفازة البعيدة . انظر اللسان ( مهه ) .